المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة حب


sweet heart
04 / 07 / 2008, 57 : 04 AM
ررحلة حب
[ / بقلم: أحمد طاهر العليو
http://altahera.net/upfiles/1214826501.jpg








أضعُ حقيبتي على الكرسي المجاور لي عازما على السفر ولأستريح من أحاديث اختيار الزوجة التي رفضتُ الكثير ممن عرضتْ علي أمي وأختي الكبيرة، فكثيرا ما يُخنق اختيارهما على حبال أسئلتي عن ملامحها وأوصافها، وقد خارت قواهما في إقناعي، فلن أتزوج على ذائقة الآخرين في مجتمع يغطي الأنثى بلحاف أسود، تعبتْ أمي و أختي من ارتداء الحيل والمراوغات للدخول للبيوت الأجنبية لرؤية فتياتهن، أظلُ في جدال معهما نهارا،وليلا استلقي بجسدي على السرير متمرغا في تلك الصور المثيرة.
أنفي وجبهتي ملتصقان بنافذة باص النقل الجماعي، وفي الجهة الأخرى عجوزٌ يوسدُ عصاه على الممر، وفي أحد أصابعه خاتم ومسبحة طويلة " تطقطق " بين أصابعه المرتعشة قليلاً، وفتاة جنبه تغطي العباءةُ جسمها ماعدا الكفين اللتين تفتحان مجلة " زهرة الخليج "، يلتفتُ خلفه أحياناً ليحدث المرأةَ الكبيرة السن التي ما يفتأ لسانها عن الذكر.
سئمتُ النظر في هذه الصحراء ذات الرمال الذهبية والأعشاب اليابسة، يأكلني اليأس لتباطئي في حجز تذاكر الطيران، الوجوه أجنبية ماعدا هذا العجوز وأسرته، أعودُ وأغرقُ في همومي وأسياخ حمراء في قلبي،محفوف أنا بأسئلة الناس الكثيرة حول زواجي، يريدون أن أقدم لهم ملفا عن سر عدم دخولي للقفص الذهبي!!
الكثير منهم يجلدني بأن شوكتي لا تستقيم، فيصف كل واحد لي عقاقير وأدوية منشطة وفي أجفانهم صور الشفقة، وبعضهم يسألني:
ـ هل لك فتيات تنام معهن في الليل الحالك؟!!
أتذكر أحدهم كان يلح عليّ بأن أصحبهُ لبنات الهوى المزعومات بالرغم زواجه بثلاث نساء، ويغريني بأن ذلك يكون على جلده، فتملأ فمي القهقهات من سخفه وهيجانه.
أستخرجُ زجاجةَ ماء كي أمزق هذا الملل الذي يبس أحشائي، أقدمها للعجوز، لكنه يردني بدعاء لي.
هذه الزجاجة فتحت نافذة لحوار بدأ بكلمات بسيطة، ثم تطور إلى حكايات مزقت ملل الطريق، فقد استأنستُ بأحاديثه، وأخذتُ أسردُ له بعض سيرتي الشخصية، و أساعده أثناء نزوله وصعوده و مشاعر الارتياح مخطوطة على وجهه، يرددُ دائما " يا وليدي " و أناديه " يا عمي الحجي " وكلما ناديتُه بهذا النداء تلتفتُ إليّ الفتاة!!!.
يستسلمُ عمي الحجي إلى النوم ورقبته تتدلى على رأس الكرسي، والنوم بدأ يغري جفوني، فأسندتُ رقبتي رافعاً ظهري قليلا لتعتدل رقبتي، يسقط بصري عليها وهي ترفع الغطوة قليلا لتنظر إلى أسفل، ألمحُ جمالا خارقا، أشعرُ شيء يسلبني اتزاني، سبحان الخالق، أخذتُ أعيد تفاصيل الوجه، لكن ذاكرتي لم تستطع الإلمام بتفاصيلها الفاتنة، أصابعي ترتب شعري المبعثر وشاربي، تمنيتُ لو احتضنتْ حقيبتي عطرا، ثم أخذت أداعبُ مخيلتي.
أفتحُ صحيفتي وبطرف عيني أسرقُ النظرات إليها، وأحيانا أنظرُ إلى نافذة " الباص " فربما تنعكس صورتها على النافذة الزجاجية، أدققُ في ملامح عمي " الحجي"، أكتشفُ ملامح وسامة دثرها الزمن، يلقي شيطاني عباءتها، وخيالي يبدأ بمحاولة رسم ملامحها، ما أجمل الصدفة أحيانا، عقلي يرتبُ تفاصيل الخطبة والزواج، وجريان الدم يعود في عروق أمي وأختي.
أقتلعُ العجوز من مقعده وأجلس مكانه، أضع أناملي بأناملها الرقيقة، وفي أذنيها أهمسُ كما يفعل العاشقون، والأبيات الغزلية التي كنتُ أرددها أيام الثانوية تخرج من فمي، الباص يطير بجناحين، والرمال تحولتْ إلى مروجٍ خضراء تشقها المياهُ بنعومة وليونة، والطيور بألوانها المختلفة تطلق من أفواهها أناشيد الحب.
لا زال "الباص" يشقُ عبابَ الصحراء، وستائرُ الليل تزحفُ مغطيةً قرص الشمس المختفي شيئا فشيئا،وأنا لا أزال في بحرٍ من الهيام والعشق، يتوقف الباص لأداء الصلاة، فيقوم عمي " الحجي " متكئا على عصاه، وظهره متقوس، والرعشة تمتلك يده، والمسافرون يتزاحمون خلفه، يقترب من درج "الباص" وأنا قد سبقته إلى أسفل الباب.
ـ " عمي الحجي أعطني يدك ".
وعيناي تنظران زوجتي في المستقبل.
صوتٌ مخنوقٌ ينصب رمحه في قلبي:
ـ " وجع يوجعك، أزعجتنا يا عمي الحجي... يا عمي الحجي ".
تدور الأرضُ بي.
تلكزها المرأة الكبيرة وصوت خفيض:
ـ " عيب يا ابتني، عيب يطلع صوت المرأة "
وبوجه يغزوه الخجل يعتذر العجوز لي من عبارات زوجته!!!
فيزداد دوران الأشياء من حولي، وأوراق الأمل تتساقطُ من حولي.